لكل كلمة أذن،ولعل أذنك ليست لكلماتي،فلا تتهمني بالغموض.


لاتستح إعطاء القليل فإن الحرمان اقل منه.
كلنا كالقمر.له جانب مظلم.

  .اللسان الطويل دلالة على اليد القصيرة

شموع تحت خيمتي

أبريل 2nd, 2008 كتبها حسنة نشر في , ذاكرة


  petite 


إستيقظت هذا الصباح على شعور مرير بخواء ما. وكأنني كنت حبلى أنتظر مجيئا وإذا بي أطرح قبل النضوج. آلمني كثيراذلك الشعور، رغم أنني لم أدر ما أجهضت. تذكرت تلك الأديبة التي كانت تلبس أجمل فساتينها ثم تجلس لتكتب رسالة إلى حبيبها. ففتشت في خزانتي وأخرجت ذلك الثوب المزركش كالذي كانت تلبسه جدتي وارتديته علّني أستفز بألوانه الصارخة ذاكرتي وأعي ما فقدت.

تمثلت أمامي تلك الطفلة الصغيرة بشعرها الاجعد المتمرد. كم كانت أمي تستميت في ترويضه بشتى أنواع الكريمات والملاقط المتنوعة؛ ذلك أن الشعر الأملس كان وقتها  يحتكر رموز الجمال، ولكن ما أن تدير ظهرها حتى أفك الضفائر وأنزع الملاقط  وأهب شعيراتي للريح يبث فيها الفوضى. وأناأتخيل نفسي بطلة من حكايات جدتي مثل (لونجا بنت الغولة أو عيشة مغيغدة) أو غيرهما وكلهن كن ذوات شعور طويلة ملساء يسكنها الليل.

تذكرت ذلك الجسد النحيل وذلك اللّسان المتلعثم عند حرف السّين مما كان يثير ضحك من حولي ويزيد من عقدي، وحبات الأرز أزرعها في فناء البيت والحمام من حولي وأنا أقفز بينه متمتمة اناجيه فيخرج أبي ذات صباح ويرقبني باستمتاع ثم يحلو له أن يناديني تيتي صديقة الحمام وتلازمني تلك التسمية لسنوات بعد ذلك.

ومن بين ما تذكرت تلك العادة التي طالما أخافت أمي دون أن أفهم السبب، ذلك أنني كنت مدمنة أحلام إلى حد التوحّد. فكنت كلما احسست بخطر أو آلمني موقف ما أسرعت إلى ركن في البيت و تكورت مثل قطة صغيرة تحت لحاف، وبيدي دمية صنعتها من عود ثقاب قد ربطت  عند احد طرفيه بعض تلك الخيوط الملونة التي كانت تزين محرمة (غطاء الرأس) جدّتي وتتراقص على جبينها مثل خيوط الشمس. أحرك تلك الدمية يمينا فتضيئ الشموع تحت لحافي أو خيمتي وأحركها يسارا فتمتد أمامي سهول خضراء واسعة وأنا من تحت اللحاف اتمتم كلاما لا تفقهه أمي. فترفع عني اللحاف وتناديني بصوت خائف.

أحيانا كنت أرق لحالها فأجيبها ولكن غالبا ما كنت أتمادى في لعبتي تلك وكأنني لم أعد أعي ما يدور من حولي. الدمية بيدي تتراقص خيوطها كأحلامي ولساني يردد كلمات غير مفهومة. لقد وجدت في هذه الطريقة حلاّ لفضّ الخلافات التي كانت تشبّ أحيانا في البيت ووسيلة لمعاقبة الكبار حين يتجاهلون وجودي في غمرة ثوراتهم، فأخترع لنفسي عالما أمنعهم من الولوج إليه.

أحيانا كانت أمي تستعين بجدّتي فتأتي هذه المسكينة ممسكة بحفنة من الملح وتجلسني على ركبتيها ثم تبدأ في قراءة بعض السور أو الآيات مع بعض التعاويذ وترسم في الفضاء حولي تلك الدوائر السبع لتبعد عني الشياطين، كما كانت تقول فإذا فرغتْ من ذلك، خرجتْ إلى

المزيد