لكل كلمة أذن،ولعل أذنك ليست لكلماتي،فلا تتهمني بالغموض.


لاتستح إعطاء القليل فإن الحرمان اقل منه.
كلنا كالقمر.له جانب مظلم.

  .اللسان الطويل دلالة على اليد القصيرة

قبل البدء: حتى لا تتهمني بتبديد وقتك الثمين، دعني أخبرك أنك لن تجد هنا سوى خيال إمرأة تلهو بكلمات بعدما أخبروها أنها أكبر من أن تمسك بدمية؛ فهي توقد النار في الذاكرة تارة، وتارة أخرى تمدّ لسانها كطفلة صغيرة تسخر من حماقات الكبار ثم تولي هاربة. لو كنت تريد غير ذلك أنصحك بالتوقف عن القراءة.

ثوب بألوان قوس قزح

كتبهاحسنة ، في 15 مارس 2008 الساعة: 13:24 م



redha

  


حسنة هو إسم جدتي؛ كنت متعلقة بها كثيرا،فقد كانت بالنسبة لي ولأخوتي الأم الأصل، تأتي بعدها أمنا التي ولدتنا،( ولقد كان ذلك هو الحال وما يزال إلى حد ما في الكثير من الأسر الجزائرية) كنت أرى أن هذالإسم متميز وغير قابل للإبتذال و كثيرا ما تمنيت لو أنهم أورثوني إياه. حينما تزوجت قررت أن أول بنت أرزق بها سوف أسميها حسنة لكن الحكيم الرزاق لم يأذن بذلك وأنا أحمده على قرّة عيني (أيمن و ريان). كانت حسنة متميزة كذلك بشخصيتها، تتكلم إلينا بالأمازغية وأحيانا بلغة كأنها العربية لا يفهمها غيرنا ونجيبها نحن بلغتنا، فتنتقي ما يروق لها و تفسّر الباقي على هواها. خلفّت هذه الجدة مورثا محكيا رائعا من الذاكرة الجرائرية ولقد عشت طفولتي أتنقل بين عوالم شخصيات حكاياتها أتقمص بعضها حينا و أغير النهايات إذا لم تعجبني، فهي نفسها كانت تفعل ذلك وغالبا ما كانت لحكايتها عدّة نهايات.و تحضرني اليوم حكايات مثل :عيشة مغيغدة،مقديدش،محند السلطان،بلعجوط…….والقائمة طويلة. كان شكل حسنة أيضا مختلفا، فقد ولدت بتشوه خلقي في عينها اليسرى لم أكن لأنتبه لذلك إلى أن سألتي إحدى صديقاتي في  المدرسة، ما بال جدتي لا تملك سوى عينا واحدة ، من يومها زاد إعتزازي بهذه الجدة التي لا تشبه الأخريات،كانت حسنة أنيقة للغاية لا تلبس إلا أثوابا ملونة ومزركشة بتشكيلة متنوعة من الخيوط في لون قوس قزح، وإن سألتها عن أباها أو أمها أجابتك: لا، لم يلدني أحد فأنا وقعت من السماء، فكنت أتصورها رضيعة وسط اوراق الخريف الصفراء في لفافة بيضاء يلتقطها ذلك الشيخ المقرأ في المسجد ويتبناها. كان يحلو لي أن أسألها "شْحال عمرك ماني"أي كم عمرك جدتي .لقد كنت أراها مسّنة جداً , ربما ألف سنة؟ كانت تجيبني :"عمري ستين سنة وغدْوة نموت". كانت دائما تكرر هذه العبارة "سأموت غداً" وبما أنهم أخبروني أن الموت ينتقل دائما من أخمص القدمين، فإنني كنت أستيقظ كلّ ليلة وأتحسس قدميها، فإن شعرت ببُرودة أخذت أفركهما و أغطيهما علّني أوقف الموت لليلة أخرى وأحبط مشروع جدتي بالرحيل.الظاهر أنني نجحت فقد عاشت جدتي لسنوات طويلة بعد أن يأس الموت أن يختطفها مني على حين غرّة.

ماتت حسنة و مضى على رحيلها عشر سنين و أنا أشعر اليوم أنني  لم أوفيها حقها حدادا .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أسرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “ثوب بألوان قوس قزح”

  1. جمعك الله معها في جنات الخلد…..ومع ريّان وأيمن ووالدهما وحسنة الصغيرة …آمين

  2. رحم الله جدتك عزيزتي بالفعل كل ما رويتيه عنها طريف وفريد..

    واكثر ما أعجبني.. هو اعتزاز اهل الجزائر بالجدة وتكريمها.. بارك الله في أهل الجزائر.

    كم عانت أمي من جحود الأحفاد من أبناء أخوتي.. رغم انها كانت بريئة كالطفلة الصغيرة.. مما يترك في قلبي غصة كبيرة كلما تذكرت.. أنبل ما في الوجود هو أن نتذكر ان علينا ألا نندم في يوم ما عندما نتعامل مع الأهل والأقارب..

    يحلو لي قراءة الذكريات واحيي شجاعتك في روايتها.. لا أملك تلك الشجاعة..

  3. سعدت جدا بالاسم

    حسنة

    هو اسمك يعني لي الكثير

    لم اكن اتوقع ان احدا يعرفه غيري وافراد عائلتي

    سعدت بالمرور وتصفح المدونة التي لها مذاق خاص

    تقبلي احترامي وتقديري

  4. وفقك الله تضل الجده رمزلنا ما بالك لو كانت خفيفت الظل كجدتك رحمها الله وبارك لك في اولادك